محمد بن جرير الطبري
39
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أيها المؤمنون بالقتل ، وجهاد أعداء الله حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ يقول : حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم ، وأهل الصبر على قتال أعدائه ، فيظهر ذلك لهم ، ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم ، فنعرف الصادق منكم من الكاذب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ، وقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ونحو هذا قال : أخبر الله سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء ، وأنه مبتليهم فيها ، وأمرهم بالصبر ، وبشرهم فقال : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ثم أخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه ، وصفوته لتطيب أنفسهم ، فقال : مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا فالبأساء : الفقر ، والضراء : السقم ، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ قال : نختبركم ، البلوى : الاختبار . وقرأ ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال : لا يختبرون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار بالنون نَبْلُوَا و نَعْلَمَ ، ونبلو على وجه الخبر من الله جل جلاله عن نفسه ، سوى عاصم فإنه قرأ جميع ذلك بالياء والنون هي القراءة . عندنا لإجماع الحجة من القراء عليها ، وإن كان للأخرى وجه صحيح . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : إن الذين جحدوا توحيد الله ، وصدوا الناس عن دينه الذي ابتعث به رسله . وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى يقول : وخالفوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فحاربوه وآذوه من بعد ما علموا أنه نبي مبعوث ، ورسول مرسل ، وعرفوا الطريق الواضح بمعرفته ، وأنه لله رسول . وقوله : لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً لأن الله بالغ أمره ، وناصر رسوله ، ومظهره على من عاداه وخالفه . سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ يقول : وسيذهب أعمالهم التي عملوها في الدنيا فلا ينفعهم بها في الدنيا ولا الآخرة ، ويبطلها إلا مما يضرهم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا . . . وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ يقول تعالى ذكره : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في أمرهما ونهيهما وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ يقول : ولا تبطلوا بمعصيتكم إياهما ، وكفركم بربكم ثواب أعمالكم فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل الصالح . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ الآية ، من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيئ فليفعل ، ولا قوة إلا بالله ، فإن الخير ينسخ الشر ، وإن الشر ينسخ الخير ، وإن ملاك الأعمال خواتيمها . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ يقول تعالى ذكره : إن الذين أنكروا توحيد الله ، وصدوا من أراد الإيمان بالله وبرسوله عن ذلك ، ففتنوهم عنه ، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك ، ثم ماتوا وهم كفار : يقول : ثم ماتوا وهم على ذلك من كفرهم . فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ يقول : فلن يعفو الله عما صنع من ذلك ، ولكنه يعاقبه عليه ، ويفضحه به على رؤوس الأشهاد . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ يقول تعالى ذكره : فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين وتجبنوا عن قتالهم . كما : حدثني